المرأة والمجتمع: الدور، المسؤوليات، والتحديات الحلقة (٤/٤)

اقرأ هذا المقال باللغة :English|اردو|العربية
Women and Society: Roles, Responsibilities, and Challenges

مقدمة

يشهد التاريخ البشري أن قوة الأمم لا تُقاس فقط بالمباني الشاهقة أو الاقتصاد المزدهر أو الجيوش القوية، بل تُبنى قبل كل شيء على الأخلاق، والحياء، والعفة، والقيم الرفيعة.

فإذا انتشر الحياء وصانت المجتمعات عفتها واحترمت القيم الأخلاقية، نالت العزة والاستقرار إلى جانب التقدم. أما إذا ضاعت هذه القيم وسُمِّي التبرج والانفلات الأخلاقي “حرية”، فإن مظاهر الانحدار تبدأ بالظهور مهما بلغت تلك المجتمعات من التقدم المادي.

فالمرأة المحافظة على حيائها وأخلاقها ليست سبباً في صلاح نفسها فحسب، بل هي أساس صلاح الأسرة، والأسرة الصالحة هي حجر الأساس في بناء مجتمع صالح.

في هذه الحلقة نتناول مكانة الحياء والعفة والحجاب في الإسلام، ونتعرف على الدور العظيم الذي تقوم به المرأة في إصلاح المجتمع وبناء الأجيال.


أمر الرجال والنساء بغض البصر وحفظ العفة

قال الله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾

الترجمة:
“قل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أطهر لهم.”

(سورة النور: 30)

ثم قال سبحانه:

﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ…﴾

الترجمة:
“وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن…”

(سورة النور: 31)


الحجاب فريضة شرعية وليس عادة اجتماعية

يردد بعض المتأثرين بالثقافات الغربية أن الحجاب يعيق نجاح المرأة، وأنه مجرد عادة أو تشدد ديني.

غير أن الحقيقة التي يجب أن يعلمها كل مسلم أن الحجاب ليس من اختراع العلماء، وإنما هو أمرٌ صريح من الله تعالى ورسوله ﷺ، وأن الخير في الدنيا والآخرة يكمن في طاعة هذا الأمر والالتزام به.


الأمر الإلهي الواضح بالحجاب

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾

الترجمة:
“يا أيها النبي، قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن.”

(سورة الأحزاب: 59)


السنة النبوية في التعامل مع النساء الأجنبيات

روت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ لم تمس يده المباركة يد امرأة أجنبية عند البيعة.

(سنن ابن ماجه، حديث: 2875)

كما روت أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال:

إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ

“إني لا أصافح النساء.”

(سنن ابن ماجه، حديث: 2874)

وتدل هذه الأحاديث على ضرورة التزام المسلمين بالضوابط الشرعية في التعامل بين الرجال والنساء غير المحارم.


ممارسات مخالفة للتعاليم الشرعية

من المؤسف أن بعض الممارسات المنتشرة في بعض الأماكن تُخالف هدي القرآن والسنة، كاختلاط النساء بالرجال الأجانب أو مصافحة النساء من قبل بعض من يُنسبون إلى الإرشاد الديني.

وينبغي للمسلمين أن يزنوا جميع هذه التصرفات بميزان القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأقوال العلماء المعتبرين.


منزلة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها

روى الإمام السيوطي رحمه الله عن سيدنا علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

“إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: يا أهل الموقف، غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ﷺ على الصراط.”

(الجامع الصغير، حديث: 822)


هل يجب الحجاب أمام الشيخ أو المرشد؟

سُئل الإمام أحمد رضا خان رحمه الله عن حكم الحجاب بين المرأة وشيخها إذا كان أجنبياً عنها.

فأجاب:

الحجاب واجب، ولا فرق في ذلك بين الشيخ وغيره من الرجال غير المحارم.

(فتاوى رضوية، ج22، ص505)


تحذير شديد من التساهل في صيانة الأسرة

ورد في الحديث الشريف أن من الناس من يُحرم دخول الجنة بسبب تفريطه في حماية أهله من الفساد.

قال رسول الله ﷺ:

“ثلاثة لا يدخلون الجنة:

  • الديوث،
  • والمرأة المتشبهة بالرجال،
  • ومدمن الخمر.”

(مجمع الزوائد، حديث: 7722)


“فقدت ابني ولم أفقد حيائي”

من أعظم صور الحياء ما رُوي عن السيدة أم خلاد رضي الله عنها، فقد خرجت إلى رسول الله ﷺ تسأل عن ابنها الشهيد وهي متغطية الوجه.

فقيل لها:

“حتى في هذا الموقف تغطين وجهك؟”

فقالت:

“لقد فقدت ابني، ولم أفقد حيائي.”

(سنن أبي داود، حديث: 2488)

وهذا الموقف يعلّم المسلمين أن الحياء قيمة ثابتة لا تتغير باختلاف الظروف.


الحجاب واجب أمام المعلم غير المحرم

سُئل الإمام أحمد رضا خان رحمه الله عن فتاة تعلمت القرآن على يد معلم وهي صغيرة، ثم بلغت.

فأجاب:

بعد البلوغ يجب عليها الحجاب من ذلك المعلم، ولا فرق في أحكام الحجاب بين المعلم أو العالم أو الشيخ أو غيرهم من الرجال الأجانب.

(فتاوى رضوية، ج23، ص639)


خاتمة ودعاء

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين، وأن يجعله صدقة جارية لكاتبه ولوالديه ومشايخه وجميع المؤمنين.

ونسأله سبحانه أن يرزقنا اتباع القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن يزين رجالنا ونساءنا بالحياء والعفة، وأن يحفظ أسرنا وأبناءنا من الفتن والانحراف، وأن يجعل نساء المسلمين يقتدين بأمهات المؤمنين والسيدة خديجة الكبرى والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة عائشة رضي الله عنهن أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Scroll to Top