مقدمة
ثمة روابط وعلاقات في هذا العالم لا يمكن قياس عظمتها بمقاييس الكلمات، ومن بين هذه الروابط المقدسة رابطة “الأم”. فالأم هي تلك الذات التي تفني كيانها لتمنح أبناءها الحياة، وتضحي براحتها لتوفر لهم سبل العيش الهانئ، وتخفي دموعها خلف ابتسامة لتضيء مصابيح الفرح على وجوه أطفالها. يستطيع الإنسان أن يجد بديلاً لكثير من نعم الدنيا، ولكنه لا يمكن أن يجد بديلاً لنعمةٍ عظيمةٍ كالأم.
ولهذا السبب، حين منح الإسلام البشرية معرفة العلاقات وقيمتها، جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وجعل خدمتهن عبادة، واحترامهن معياراً للإيمان والأخلاق. فالأم ليست مجرد فرد، بل هي مدرسة، وحاضنة تربوية، وجامعة تتشكل فيها شخصيات الأجيال. فإذا كانت الأم صالحة، رزق المجتمع أفراداً صالحين، كما كان حال كثير من أولياء الله الصالحين، مثل الغوث الأعظم، والخواجة معين الدين، والداتا علي الهجويري رحمهم الله تعالى وغيرهم. أما إذا قصرت الأم في مسؤولياتها، فإن مستقبل الأجيال يصبح في خطر.
وفي عصرنا الحاضر، حيث أثّر التسارع المادي في تماسك الأسرة، أصبح فهم مكانة الأم، وحقوقها، ومسؤولياتها، أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي هذه الحلقة نسلط الضوء على هذه الشخصية العظيمة التي لا ينقص حبها لأبنائها أبداً، والتي تتحول دعواتها إلى نور يضيء دروب الحياة، ويبقى أثرها في قلب الإنسان إلى آخر لحظة من عمره. فما السر في هذه المنزلة العظيمة التي جعلت النبي الكريم ﷺ يقدّم حق الأم ثلاث مرات على حق الأب؟ لنحاول التعرف إلى ذلك في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية.
مكانة الأم في القرآن الكريم
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ۖ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾
الترجمة:
“ووصّينا الإنسان بوالديه، حملته أمه ضعفاً على ضعف، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك، إليَّ المصير.”
(سورة لقمان، الجزء 21، الآية: 14)
ويقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
“من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما.”
(تفسير البغوي، تحت الآية)
الأم أحق الناس بحسن الصحبة
عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
“يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟”
قال ﷺ:
“أمك.”
قال: ثم من؟
قال:
“أمك.”
قال: ثم من؟
قال:
“أمك.”
قال: ثم من؟
قال:
“أبوك.”
(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، الحديث: 5971)
الجنة تحت أقدام الأمهات
جاء جَاهِمَة رضي الله عنه إلى النبي ﷺ فقال:
“يا رسول الله، أردتُ أن أغزو في سبيل الله، وجئت أستشيرك.”
فقال له رسول الله ﷺ:
“هل لك من أم؟”
قال: نعم.
فقال ﷺ:
﴿فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا﴾
“فالزم خدمتها، فإن الجنة تحت قدميها.”
(سنن النسائي، كتاب الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والدة، الحديث: 3101)
حقوق الأطفال
يجب على كل أم أن تحب أبناءها، وتعاملهم بالرفق والحنان في جميع شؤونهم، وتسعى دائماً إلى إدخال السرور على قلوبهم، وأن تبذل قصارى جهدها في تربيتهم وتنشئتهم على أحسن وجه.
كما ينبغي لها أن تعتني بنظافتهم وطهارتهم، وإذا لم يكن في إرضاعها ضرر، فلتُرضع أبناءها بنفسها، فإن لحليب الأم أثراً عظيماً في صحة الطفل ونموه.
وعليها أن تحمي أبناءها من الحزن والأذى، وأن تحرص على فهم إشارات الرضيع وحاجاته؛ لأنه لا يستطيع التعبير بالكلام.
ولا يجوز تخويف الأطفال أو ترهيبهم، لأن ذلك يضعف شخصيتهم ويؤثر في ثقتهم بأنفسهم.
وعندما يبدأ الطفل بالنطق، فلتكن أولى الكلمات التي يتعلمها اسم الله تعالى واسم رسوله الكريم ﷺ.
وعندما يبلغ الأبناء سنَّ التعلّم، فليكن أول ما يتلقونه هو تعليم القرآن الكريم، والعلوم الدينية الأساسية، والآداب الإسلامية، والأخلاق الحسنة، وتعاليم دين سيدنا محمد ﷺ، وعقيدة أهل السنة والجماعة. كما ينبغي مخاطبتهم بأسلوب الاحترام والتقدير، حتى يعتادوا الأدب في مخاطبة الجميع.
وينبغي ترغيبهم في الأعمال الصالحة، وتنفيرهم من الأعمال السيئة، مع الابتعاد عن السب والشتم والألفاظ القبيحة، لأن الأطفال يتعلمون بالمشاهدة والتقليد.
وعندما يبلغ الطفل أو الطفلة السابعة من العمر، ينبغي تعليمهم أحكام الطهارة، والوضوء، والغسل، والصلاة، مع المحافظة على أداء الصلاة أمامهم ليقتدوا بها.
كما يجب حمايتهم من رفقة السوء، وإبعادهم عن اللهو المحرم، والرقص، والغناء، والمسرحيات، والرسوم المتحركة التي تشتمل على المخالفات، وسائر ما يضيع الأوقات فيما لا ينفع.
ويُستحب تقديم الفواكه الطبيعية للأطفال بدلاً من الإكثار من الحلوى والشوكولاتة، حفاظاً على صحتهم.
ويجب العدل بين جميع الأبناء، وإن أمكن فلتُقدَّم البنت في الإكرام والهدايا.
وعند إلباس البنات الصغيرات، ينبغي مراعاة الحشمة والستر، وعدم إلباسهن ما قد يلفت الأنظار أو يعرّضهن لنظرات أصحاب القلوب المريضة.
كما يُنصح بإبعاد الأطفال عن الهواتف المحمولة منذ الصغر؛ لما لها من آثار سلبية على البصر والصحة والنمو.
ومن الأفضل أن تُروى للأطفال قصص الأنبياء عليهم السلام، والصحابة الكرام رضي الله عنهم، وأهل البيت الأطهار، وسير الأولياء والصالحين، بدلاً من القصص الخيالية، حتى تنغرس محبة هؤلاء العظماء في قلوبهم.
وعندما يبلغ الابن أو البنت سنَّ الرشد، ينبغي المبادرة إلى تزويجهم دون تأخير من زوجٍ أو زوجةٍ من **أهل السنة، صحيحي العقيدة، حسني السيرة والأخلاق، مع الحرص على التحقق من سلامة العقيدة والدين والأخلاق، ولا سيما عند اختيار زوج البنت، إلى جانب النظر في أحواله المعيشية.
الخاتمة
ونسأل الله الكريم أن يوفقنا لتربية أبنائنا تربيةً إسلاميةً صحيحةً في حدود الشريعة المطهرة، وأن يجعلهم من عباده الصالحين، آمين بجاه النبي الأمين ﷺ.


