المرأة والمجتمع: الأدوار والمسؤوليات والتحديات الجزء (١/٤)

اقرأ هذا المقال باللغة :English|اردو|العربية
Women and Society

تُعدُّ المرأة عنصرًا أساسيًا وجميلًا في المجتمع الإنساني، ولا تكتمل صورة الحياة من دونها. ففي الوقت الذي كانت فيه كثير من الحضارات تنظر إلى المرأة نظرة احتقار وحرمان، منحها الإسلام الكرامة والعزة والحقوق الكاملة. ويُبيّن لنا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أن المرأة ليست مجرد فرد، بل هي أساس بناء الأسرة والمجتمع، وصانعة الأجيال.

ومن بين أدوار المرأة المختلفة، تحتل الابنة مكانةً خاصة. فهي رحمةٌ في البيت، ومصدرُ سعادةٍ لوالديها، وينبوعُ الفرح للأسرة. وقد رفع الإسلام مكانة البنت، وجعل حسن تربيتها، وتعليمها، والإحسان إليها سببًا من أسباب دخول الجنة. ومع الأسف، ظهرت في بعض الأزمنة أفكارٌ جاهلية اعتبرت البنت عبئًا، مع أن الإسلام جعلها نعمةً ورحمةً من الله تعالى.

ذلك الزمن… حين كانت البنت تُدان قبل أن تبدأ حياتها

إنه فصلٌ مظلم من تاريخ البشرية، تقشعر له الأبدان عند قراءته. ففي رمال الجزيرة العربية الحارّة، كانت آثار أقدام الصغيرات تظهر ثم تختفي سريعًا. كان الأب يأخذ بيد ابنته الصغيرة إلى الصحراء، فتظن الطفلة أنه خرج بها للنزهة. كانت تبتسم له، وتمسك بيده، وتلهو بالرمال، ولا تعلم أن اليد التي وثقت بها ستسلبها حياتها.

كان يُحفَر لها حفرةٌ في الرمال، وتنظر إلى أبيها في دهشة، ثم يُنزلها فيها بيديه. كانت أصابعها الصغيرة تمتد طالبةً النجاة، وكأن عينيها تقولان: “يا أبي، بأي ذنب أُقتل؟” ولكن لم يكن هناك جواب، إلا صمت الرمال التي كانت تخفي زهرةً بريئة إلى الأبد.

كم من أمٍّ فقدت ابنتها، وكم من بيتٍ اعتبر ضحكة البنت عارًا، وكم من أبٍ قدّم عادات الجاهلية على فطرته ورحمته. في ذلك الزمان كانت البنت تُعدُّ عبئًا، وكانت المرأة محرومةً من الكرامة، ولا يُنظر إلى وجودها بقيمة.

ثم جاء رحمةُ العالمين ﷺ

تلك البنت التي كانت تُدفن بالأمس، أصبحت اليوم رحمةً وبركة. وتلك المرأة التي كان المجتمع يحتقرها، أكرمها الإسلام بالعزة والاحترام والمكانة الرفيعة. وقد أعلن رسول الله ﷺ أن البنات رحمة، وبشّر من يُحسن تربيتهن بالجنة. وهكذا تعلّمت البشرية أن البنت ليست مصدر خجل، بل هي نعمة عظيمة من نعم الله تعالى.

ويشهد التاريخ أن الجاهلية بلغت في الجزيرة العربية حدًّا جعل الناس يستقبلون خبر ولادة البنت بالحزن والضيق، حتى إن بعضهم كان يدفنها حيّةً طلبًا لما يظنه شرفًا. وقد صوّر القرآن الكريم هذا المشهد بقوله تعالى:

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾

المعنى: “وإذا بُشِّر أحدهم بولادة أنثى اسودَّ وجهه من شدة الغم، وهو مملوء بالحزن.”

(سورة النحل: 58)

ثم ذكر الله تعالى حال تلك الطفلة يوم القيامة فقال:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾

المعنى: “وعندما تُسأل الطفلة التي دُفنت حيّة: بأي ذنبٍ قُتلت؟”

(سورة التكوير: 8–9)

في هذا الجزء الأول من هذه السلسلة، سنتناول مكانة الابنة في الإسلام، وحقوقها، وأهميتها في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، حتى تزول المفاهيم الخاطئة، ويعرف الناس المنزلة العظيمة التي منحها الإسلام للبنت.

قال الله تعالى:

﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾

المعنى: “يهب الله لمن يشاء البنات، ويهب لمن يشاء البنين.”

(سورة الشورى: 49)

ومن اللطائف في هذه الآية أن الله تعالى قدّم ذكر البنات قبل البنين، وفي ذلك إشارة إلى عظيم منزلتهن وفضلهن.

البشارة بالجنة

قال رسول الله ﷺ:

«من كانت له ثلاث بنات فأحسن إليهن، وجبت له الجنة.»

فقيل: “وإن كانتا اثنتين؟”

قال: «وإن كانتا اثنتين.»

فقيل: “وإن كانت واحدة؟”

قال: «وإن كانت واحدة.»

(المعجم الأوسط، الحديث: 6199)

هدي النبي ﷺ في معاملة البنات

كانت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة رسول الله ﷺ، إذا دخلت عليه قام إليها استقبالًا، وأخذ بيدها، وقبّلها، ثم أجلسها في مكانه. وكذلك إذا زارها رسول الله ﷺ قامت لاستقباله، وأخذت بيده الشريفة، وقبّلتها، وأجلسته في مكانها.

(سنن أبي داود، الحديث: 5217)

وهذا من أعظم الشواهد على أن رسول الله ﷺ علَّم أمته بفعله قبل قوله أن البنت ليست عبئًا ولا سببًا للعار، بل هي رحمة من الله تعالى تستحق المحبة، والإكرام، والاحترام.

إيثار أمٍّ فقيرة مع ابنتيها

روت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:

“جاءتني امرأةٌ مسكينةٌ معها ابنتان، فأعطيتها ثلاث تمرات. فأعطت كلَّ واحدةٍ من ابنتيها تمرةً، وأمسكت تمرةً لتأكلها، فطلبتها ابنتاها، فشقّت التمرة التي كانت بيدها نصفين وأعطت كلَّ واحدةٍ منهما نصفًا. فأعجبني صنيعها، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إن الله أوجب لها الجنة بهذا، أو أعتقها من النار بسبب رحمتها بابنتيها».”

(صحيح مسلم، الحديث: 2630)

ولمن أراد التوسع في معرفة مكانة البنات وحقوقهن في الإسلام، فمن المفيد مطالعة رسالة «زنده بيٹی کنویں میں پھینک دی» لفضيلة الشيخ أمير أهل السنة، العلامة المولانا أبو بلال محمد إلياس عطار القادري الرضوي حفظه الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا شكر نعمة البنات، وأن يوفقنا إلى حسن تربيتهن، وتعليمهن، وأداء حقوقهن، وأن ينشئن في ظل تعاليم الإسلام بالعزة والكرامة.

آمين، بجاه سيد المرسلين محمد ﷺ.

يُتْبَعُ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ…

Scroll to Top