يُعدّ موضوع حاضر وناظر من المسائل العقدية التي تناولها علماء أهل السنة والجماعة عند الحديث عن مكانة النبي الكريم سيدنا محمد ﷺ وما أكرمه الله تعالى به من خصائص وعلوم وقدرات.
والمقصود بمصطلح حاضر وناظر عند علماء أهل السنة، بحسب ما يقررونه في كتبهم، أن رسول الله ﷺ قد أكرمه الله تعالى بإدراكات وعلوم خاصة، وأن اطلاعه يكون بما أطلعه الله عليه، وأن كل ما يملكه النبي ﷺ من علم وقدرة وفضل إنما هو بعطاء الله تعالى وإذنه ومشيئته.
🌹 معنى حاضر وناظر
ذكر العلامة المفتي أحمد يار خان نعيمي رحمه الله في كتابه جاء الحق عند بيان معنى حاضر وناظر أن الإنسان يُوصف بالنظر بحسب مدى رؤيته، وبالحضور بحسب ما يقدر على الوصول إليه والتصرف فيه.
وبيّن أن المعنى الاصطلاحي عند بعض علماء أهل السنة يتعلق بما يخص صاحب القوة القدسية، الذي يكرمه الله تعالى بإدراك واسع وإطلاع خاص، فيرى بإذن الله ما لا يراه عامة الناس، ويطّلع على أمور وفق ما يمنحه الله تعالى من فضل وقدرة.
📚 جاء الحق، ص 349، مكتبة غوثية، كراتشي
ومع ذلك، فإن المسلم يعتقد أن العلم الذاتي المحيط بكل شيء لا يكون إلا لله تعالى، أما علم الأنبياء والأولياء فهو علمٌ يمنحه الله لهم ويطلعهم عليه بقدر ما يشاء سبحانه وتعالى.
🌹 الاستدلال من القرآن الكريم
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾
(سورة الأحزاب: 45–46)
وقد وصف الله تعالى نبيه الكريم ﷺ بأنه شاهد ومبشر ونذير وداعٍ إلى الله بإذنه وسراج منير.
وفي التراث التفسيري والعقدي لأهل السنة، يُستدل بهذه الآيات على عظيم مكانة رسول الله ﷺ وشهادته على أمته، مع التأكيد على أن جميع خصائصه وفضائله إنما هي من فضل الله تعالى.
🌹 أدلة من الأحاديث المباركة
1. رؤية مشارق الأرض ومغاربها
قال رسول الله ﷺ:
إِنَّ اللّٰهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا
ومعناه أن الله تعالى جمع للنبي ﷺ الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها.
📚 صحيح مسلم
ويُستدل بهذا الحديث على ما أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ من اطلاع خاص ورؤية منحها الله له.
2. رؤية الحوض
وقال رسول الله ﷺ:
وَاللّٰهِ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآن
أي: “والله، إني لأنظر إلى حوضي الآن.”
📚 صحيح البخاري
وهو دليل على ما أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ من رؤية وإدراك لا تكون لعامة الناس.
3. ما أُري النبي ﷺ من أمور الدنيا
ورد في بعض الروايات ذكر ما أطلع الله تعالى عليه نبيه ﷺ من أحوال وأحداث، وقد اعتنى علماء الحديث ببحث أسانيد الروايات ومعانيها ودرجاتها.
والأصل الذي يتفق عليه أهل الإيمان هو أن رسول الله ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله تعالى عليه، كما قال سبحانه وتعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾
أي أن الله تعالى هو عالم الغيب، ويُطلع من يشاء من رسله على ما يشاء من الغيب.
🌹 أقوال بعض علماء أهل السنة
تحدث عدد من كبار علماء أهل السنة عن خصوصية النبي ﷺ ومكانته الرفيعة، وما خصه الله تعالى به من علوم وإدراكات وفضائل.
ومن هؤلاء:
✨ شاه عبد الحق المحدث الدهلوي رحمه الله
نُقلت عنه عبارات في بيان مكانة النبي ﷺ وخصوصيته بالنسبة إلى أمته وما أكرمه الله تعالى به.
📚 أخبار الأخيار
✨ الإمام ابن الحاج المكي رحمه الله
تحدث في كتابه المدخل عن مكانة رسول الله ﷺ وخصوصية صلته بأمته، وقد تناول العلماء كلامه بالشرح والبحث في إطار مسائل حياة الأنبياء وخصائصهم.
📚 المدخل
✨ الإمام القسطلاني رحمه الله
تناول الإمام القسطلاني رحمه الله خصائص النبي ﷺ وفضائله ومقامه العظيم في عدد من مؤلفاته.
📚 المواهب اللدنية
🌹 موقف الإمام أحمد رضا خان رحمه الله
كان الإمام أحمد رضا خان، المعروف عند أتباع مدرسة أهل السنة في شبه القارة بـ الإمام أحمد رضا خان رحمه الله، من كبار العلماء الذين كتبوا في مسائل العقيدة والفقه ومحبة رسول الله ﷺ.
ومن أبيات حدائق بخشش المشهورة:
سر عرش پر ہے تیری گزر، دل فرش پر ہے تیری نظر
ملکوت و ملک میں کوئی شے نہیں، وہ جو تجھ پہ عیاں نہیں
وتعبّر هذه الأبيات عن المحبة العظيمة والتعظيم لمقام رسول الله ﷺ، مع بقاء العقيدة الأساسية أن كل ما أُعطي للنبي ﷺ إنما هو بعطاء الله تعالى وفضله وإذنه.
🌹 مكانة النبي ﷺ في عقيدة المسلم
إن محبة رسول الله ﷺ وتعظيمه واتباع سنته من أعظم أصول الإيمان. فالمؤمن يحب نبيه ﷺ حبًا صادقًا، ويعرف له قدره العظيم، ويتأدب معه، ويتمسك بسنته، ويكثر من الصلاة والسلام عليه.
وفي الوقت نفسه، فإن المسلم يعلم أن:
- الله تعالى هو المالك الحقيقي لكل شيء.
- علم الله تعالى كامل ومحيط ولا حدود له.
- وكل علم أو قدرة أو خصوصية يمنحها الله لأنبيائه إنما تكون بعطائه وإذنه.
- ورسول الله ﷺ هو أفضل الخلق وأعظمهم منزلة عند الله تعالى، وقد خصه الله بفضائل ومعجزات وخصائص عظيمة.
🌹 الخاتمة
إن الكلام عن مقام رسول الله ﷺ يجب أن يكون دائمًا قائمًا على المحبة، والتعظيم، والأدب، والاتباع، والتمسك بالعقيدة الصحيحة.
فكلما ازداد المسلم معرفةً بسيرة النبي ﷺ وفضائله وأخلاقه، ازداد حبًا له وحرصًا على اتباعه.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا محبة رسول الله ﷺ، وتعظيمه، واتباع سنته، والثبات على الإيمان، وأن يحيينا على الإسلام والسنة، ويميتنا عليهما.
آمين بجاه سيد المرسلين ﷺ.


