New Forms of Falsehood in the Digital Age Part 1

الأشكال الجديدة للكذب في العصر الرقمي الحلقة (1)

كان الكذب دائمًا مرضًا خطيرًا من أمراض الأخلاق، لكن العصر الرقمي منحه لغةً جديدة، وسرعةً جديدة، وأشكالًا جديدة. ففي الماضي كان الكذب يخرج من فم شخص ويصل إلى عدد محدود من الناس، أما اليوم فقد تصل جملة كاذبة واحدة، أو صورة مزيفة، أو خبر مختلق، أو مقطع فيديو مُعدَّل لبضع ثوانٍ إلى آلاف الناس، بل إلى ملايينهم.

وهكذا لم يعد الكذب مجرد ذنب فردي، بل قد يتحول إلى عاصفة رقمية تجرف معها ثقة المجتمع وسمعة الناس وطمأنينتهم.


القرآن الكريم يحذر من الكذب

لقد وجّهنا القرآن الكريم إلى الابتعاد عن الكذب بوضوح، فقال الله تعالى:

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾

الترجمة:
«واجتنبوا قول الزور والكذب.»

سورة الحج، الجزء السابع عشر، الآية: 30

وهذا التوجيه لا يقتصر على الكذب بصورته التقليدية، بل يدخل في معناه أيضًا نشر الأخبار الكاذبة، والادعاءات المزيفة، والاتهامات الباطلة، والمنشورات المختلقة، وتحريف الحقائق وتقديمها بصورة مضللة.


خبر رأيناه لا يعني أنه خبر صحيح

من السلوكيات الخطيرة المنتشرة اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي: أن يرى الإنسان خبرًا، فيعجبه، ثم يبادر إلى مشاركته فورًا.

دون أن يتوقف لحظة ليسأل:

هل هذا الخبر صحيح أصلًا؟

وقد وضع القرآن الكريم لنا مبدأً واضحًا في هذا الأمر، فقال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

الترجمة:
«يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر فتبينوا وتحققوا.»

سورة الحجرات، الجزء السادس والعشرون، الآية: 6

فالمسلم لا تتحرك أصابعه على شاشة الهاتف وحدها، بل يتحرك معها إيمانه وضميره أيضًا.

وقد يكون التوقف لحظةً قبل الضغط على زر «مشاركة» عبادةً، إذا كان هذا التوقف سببًا في حفظ كرامة إنسان بريء.


الصور المزيفة والفيديوهات المصطنعة

ومن الأشكال الجديدة للكذب: الصور المزيفة والفيديوهات المصطنعة.

فقد يتم تعديل صورة شخص وإظهاره بصورة لم يكن عليها أصلًا، أو يتم اقتطاع صوته أو مقطع الفيديو الخاص به من سياقه ثم تقديمه بطريقة توهم الناس بحقيقة غير موجودة.

وقد يبدو ذلك في ظاهره مجرد استخدام للتكنولوجيا، لكنه من الناحية الأخلاقية قد يتحول إلى وسيلة للبهتان والخداع والإضرار بالآخرين.


نصف الحقيقة قد يكون طريقًا إلى الخداع

ومن صور الكذب أيضًا عرض نصف الحقيقة.

فقد يخفي الإنسان الحقيقة كاملة، ثم يذكر فقط الجزء الذي يكوّن انطباعًا سلبيًا عن شخص آخر، وهذا أيضًا قد يكون من طرق التضليل والخداع.

فقد تكون الصورة حقيقية، ولكن القصة المكتوبة معها كاذبة.

وقد يكون الفيديو أصليًا، ولكن العنوان الذي وُضع عليه مختلقًا.

وقد يكون الخبر قديمًا، ثم يُنشر على أنه خبر جديد.

ولهذا فإن مجرد كون الصورة أو الفيديو حقيقيًا لا يعني بالضرورة أن القصة المرتبطة به صحيحة.


خطورة الكذب في السنة النبوية

قال رسول الله ﷺ موضحًا خطورة الكذب وفضل الصدق:

«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»

صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، الحديث: 6637


تأملوا قليلًا!

اليوم لا يُقال الكذب باللسان فقط؛

فقد تكتب الأصابع كذبًا،
وقد تُظهر الكاميرا كذبًا،
وقد تصنع برامج المونتاج كذبًا،
وقد ينشر الضغط على زر واحد الكذب في أنحاء العالم.

ولهذا أصبحت مسؤوليتنا في العالم الرقمي أكبر من ذي قبل.

فلا ينبغي أن نكون مجرد ناقلين لكل خبر، بل ينبغي أن نكون حراسًا على صدق ما ننشره.

فليس كل ما ينتشر على نطاق واسع يستحق النشر، وليس كل ما يحظى بشعبية يستحق التصديق.


تذكّروا!

في عالم الإنترنت يمكن حذف الكلمات والمنشورات، لكن آثارها قد تبقى طويلًا.

قد تتضرر سمعة إنسان، أو يتفكك بيت، أو يتأثر عمل شخص وتجارته، بل قد تتغير حياة إنسان بسبب منشور كاذب واحد.

لذلك عندما تتجه أصابعنا نحو زر «مشاركة»، فلنسأل أنفسنا أولًا:

هل هذا الكلام صحيح؟

هل لديّ دليل أو مصدر موثوق يؤكده؟

وإذا ظهر أنه كذب، فهل سأستطيع أن أجيب عن مسؤوليتي أمام الله تعالى؟

لعل هذه اللحظات القليلة من التثبت والاحتياط تجعلنا حماةً للصدق وسط سيل الأكاذيب في العصر الرقمي.


دعاء

نسأل الله رب العالمين أن يرزقنا الصدق في أقوالنا وأعمالنا، وأن يمنحنا القدرة على التثبت من الأخبار قبل نشرها، وأن يحفظ ألسنتنا وأقلامنا وأصابعنا من نشر الكذب والبهتان، وأن يوفقنا لفهم هذه الكلمات والعمل بها.

آمين بجاه النبي الأمين ﷺ۔


طلب

إذا استفدتم من هذه المقالة، فالرجاء مشاركتها مع الأصدقاء والأحباب وفي المجموعات، لعلها تكون سببًا في نشر الوعي والحذر من الكذب والتضليل في العالم الرقمي.

جزاكم الله خيرًا كثيرًا۔

Scroll to Top